حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

264

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

والجود ، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل ، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض اليه لا محالة . وأيضا يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة . روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر ، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء » ولذا قال نبينا صلى اللّه عليه وسلم « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » « 1 » فنحن أحق بالاستغفار ، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا رينا ، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس ، ولكن يمنع كمال ضوئها . والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعا بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] . قيل في تأويل الحديث : إن اللّه تعالى أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق ، وكان إذا ذكر ذلك وجد غينا في قلبه فاستغفر لأمته . قيل : كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان . وقيل : الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانيا عن نفسه بالكلية ، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو ، وهذا تأويل أرباب الحقيقة . وقال أهل الظاهر : إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات ، فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر . وعن ثابت البناني : بلغنا أن إبليس قال : يا رب ، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه . فقال سبحانه : جعلت صدورهم مساكن لك . فقال : رب زدني . فقال : لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة . قال : رب زدني . قال : تجري منه مجرى الدم . قال : رب زدني . قال : اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد . قال : فشكا آدم إلى ربه فقال : يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك . فقال اللّه تعالى : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء . قال : رب زدني . قال : الحسنة بعشر أمثالها . قال : رب زدني . قال : لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر ، والغرغرة تردد الروح في الحلق . وسئل ذو النون عن التوبة فقال : إنها اسم جامع لمعان ستة : أولها الندم على ما مضى ، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل ،

--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب الذكر حديث 41 . أبو داود في كتاب الوتر باب 26 .